ما أكثر الأمراض النفسية التي نعاني منها ولا نكاد نحسّ بها، وما أكثر النصائح التي قدمها علماء النفسلعلاج هذه الأمراض، ولكن ماذا عن القرآن؟...
علاج التردد والإحساس بالذنب
يؤكد علماء البرمجةاللغوية العصبية على أهمية أن تنظر لجميع المشاكل التي تحدث معك على أنهاقابلة للحل، بل يجب عليك أن تستثمر أي مشكلة سليبة في حياتك لتجعل منهاشيئاً إيجابياً. وقد دلَّت الأبحاث الجديدة على أن الإنسان عندما ينظر إلىالشيء السلبي على أنه من الممكن أن يكون إيجابياً مفيداً وفعَّالاً، فإنهسيكون هكذا بالفعل.
إن كل واحد منا يتعرّضفي حياته لبعض المنغصات أو المشاكل أو الهموم أو الأحداث، وكلما كانت قدرةالإنسان أكبر على تحويل السلبيات إلى إيجابيات، كان هذا الإنسان قادراًعلى التغلب على التردد والخوف وعقدة الإحساس بالذنب.
إذن أهم عمل يمكن أنتحول به الشرّ إلى خير هو أن تنظر إلى الأشياء السلبية بمنظار إيجابي،وهذا ما فعله القرآن عندما أكد لنا أن الأشياء التي نظنها شراً قد يكون منورائها الخير الكثير، وهذه قمة الإيجابية في التعامل مع الأحداث، يقولتعالى: (وَعَسَىأَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواشَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَاتَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].
إن هذه الآية تمثلسبقاً علمياً في علم البرمجة اللغوية العصبية، لأنها بمجرد أن نطبقها سوفتحدث تأثيراً عجيباً إيجابياً ينعكس على حياتنا النفسية بشكل كامل، وهذا –أخي القارئ – ما جرّبته لسنوات طويلة حتى أصبحت هذه الآية تشكل عقيدةراسخة أمارسها كل يوم، وأنصحك بذلك!
علاج الاكتئاب
يقول علماء النفس: إنأفضل طريقة لعلاج الكثير من الأمراض النفسية وبخاصة الاكتئاب أن تكون ثقتكبالشفاء عالية جداً، حتى تصبح على يقين تام بأنك ستتحسن، وسوف تتحسنبالفعل. وقد حاول العلماء إيجاد طرق لزرع الثقة في نفوس مرضاهم، ولكن لميجدوا إلا طريقة واحدة فعالة وهي أن يزرعوا الثقة بالطبيب المعالج.
فالمريض الذي يثقبطبيبه ثقة تامة، سوف يحصل على نتائج أفضل بكثير من ذلك المريض الذي لايثق بطبيبه. وهذا ما فعله القرآن مع فارق واحد وهو أن الطبيب في القرآن هوالله سبحانه وتعالى!!!
ولذلك فإن الله هو منأصابك بهذا الخلل النفسي وهو القادر على أن يصرف عنك هذا الضرّ، بل وقادرعلى أن يبدله بالخير الكثير، يقول تعالى: (وَإِنْيَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْيُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُمِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [يونس: 107].
لقد كانت هذه الآيةتصنع العجائب معي في أصعب الظروف، فكلما مررتُ بظرف صعب تذكرتُ على الفورهذه الآية، واستيقنتُ بأن الحالة التي أعاني منها إنما هي بأمر من اللهتعالى، وأن الله هو القادر على أن يحول الضرّ إلى خير، ولن يستطيع أحد أنيمنع عني الخير، فيطمئن قلبي وأتحول من حالة شديدة مليئة بالاكتئاب إلىحالة روحانية مليئة بالسرور والتفاؤل، وبخاصة عندما أعلم أن الظروف السيئةهي بتقدير الله تعالى، فأرضى بها لأنني أحبّ الله وأحبّ أي شيء يقدّرهالله عليّ.
وسؤالي لك أخي الكريم:ألا ترضى أن يكون الله هو طبيبك وهو مصدر الخير وهو المتصرّف في حياتككلها؟ فإذا ما عشتَ مع الله فهل تتخيل أن أحداً يستطيع أن يضرك والله معك!
علاج الإحباط
ما أكثر الأحداثوالمشاكل التي تعصف بإنسان اليوم، فتجد أنواعاً من الإحباط تتسرّب إليهنتيجة عدم تحقق ما يطمح إليه. فالإحباط هو حالة يمر فيها الإنسان عندمايفشل في تحقيق عمل ما، في حال زاد الإحباط عن حدود معينة ينقلب إلى مرضصعب العلاج.
ولو بحثنا بين أساليبالعلاج الحديثة نجد علاجاً يقترحه الدكتور 'أنتوني روبينز' الذي يعتبر منأشهر المدربين في البرمجة اللغوية العصبية، حيث يؤكد هذا الباحث أن الحالةالنفسية تؤثر على وضعية الجسم وحركاته ومظهره. ولذلك فإن الإنسان المصاببدرجة ما من الإحباط تجد الحزن يظهر عليه وتجده يتنفس بصعوبة ويتحدث ببطءويظهر عليه أيضاً الهمّ والضيق.
ولذلك يقترح روبينز أنتتظاهر بالفرح والسرور وستجد الفرح يغمرك شيئاً فشيئاً. بل إن أفضل حالةهي تلك التي تسلم نفسك لقدرها وتنسى همومك وتعيش في حالة من التأملوالروحانية، وهذا ما أمرنا القرآن به بقوله تعالى: (وَمَنْيُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَبِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [لقمان: 22].
علاج الانفعالات
يخبرنا الإحصائيات أنهيموت أكثر من 300 ألف إنسان كل عام في الولايات المتحدة الأمريكية فقط.وهؤلاء يموتون موتاً مفاجئاً بالجلطة القلبية. وتؤكد الأبحاث أن الغضبوالانفعال هو السبب الرئيسي في الكثير من أمراض القلب وضغط الدم والتوترالنفسي.
ولكن كيف يقترح العلماءعلاج هذه المشكلة التي هي من أصعب المشاكل التي يعاني منها كل إنسانتقريباً؟ إنهم يؤكدون على أهمية التأمل والاسترخاء ويؤدون أحياناً علىأهمية الابتعاد عن مصدر الغضب والانفعالات، وبعض الباحثين يرى أن علاجالغضب يكون بالتدريب على ألا تغضب!
ولكنني وجدتُ كتاب اللهتعالى قد سبق هؤلاء العلماء إلى الحديث عن علاج لهذه المشكلة. فكل إنسانيغضب تتسرع دقات قلبه ويزداد ضغط الدم لديه، ولذلك يؤكد القرآن على أهميةأن تجعل قلبك مرتاحاً ومطمئناً وتبعد عنه أي قلق أو توتر أو تسرع في دقاتهأو ازدياد في كمية الدم التي يضخها القلب. ولكن كيف نحصل على هذاالاطمئنان؟
إنه أمر بغاية السهولة،فمهما كنتَ منفعلاً أو غاضباً أو متوتراً يكفي أن تذكر الله وتستحضر عظمةالخالق تبارك وتعالى فتستصغر بذلك الشيء الذي انفعلت لأجله، ولذلك يقولتعالى عن صفة مهمة يجب أن يتحلى بها كل مؤمن: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].
علاج الخوف من المستقبل
هنالك مشكلة يعاني منهاكل واحد منا تقريباً وهي الخوف من 'المستقبل المادي' إن صحّ التعبير، وهيأن يخاف أحدنا أن يُفصل من وظيفته فيجد نفسه فجأة دون أي راتب أو مال. أويخاف أحدنا أن يخسر ما لديه من أموال فينقلب من الغنى إلى الفقر، أو يخشىأحدنا أن تتناقص الأموال بين يديه بسبب ارتفاع الأسعار أو نقصان الرزق أوالخسارة في تجارة ما .... وهكذا.
إن هذه المشكلة يعانيمنها الكثير، وقد كنتُ واحداً من هؤلاء، وأتذكر عندما يقترب موعد دفع آجارالمنزل الذي كنتُ أقيم فيه ولا أجد أي مال معي، فكنتُ أعاني من قلق وخوفمن المستقبل وكان هذا الأمر يشغل جزءاً كبيراً من وقتي فأخسر الكثير منالوقت في أمور لا أستفيد منها وهي التفكير بالمشكلة دون جدوى.
ولكن وبسبب قراءتيلكتاب الله وتذكّري لكثير من آياته التي تؤكد على أن الله هو من سيرزقنيوهو من سيحلّ لي هذه المشكلة فكانت النتيجة أنه عندما يأتي موعد الدفعتأتيني بعض الأموال من طريق لم أكن أتوقعها فأجد المشكلة وقد حُلّت بلوأجد فائضاً من المال، فأحمد الله تعالى وأنقلب من الإحساس بالخوف منالمستقبل إلى الإحساس بأن ه لا توجد أي مشكلة مستقبلية لأن الله هو منسيرزقني فلم أعد أفكر كثيراً بالأسباب، لأن المسبب سبحانه وتعالى موجود.
وهكذا أصبح لدي الكثيرمن الوقت الفعّال لأستثمره في قراءة القرآن أو الاطلاع على جديد العلم أوالكتابة والتأليف. ولذلك أنصحك أخي القارئ كلما مررت بمشكلة من هذا النوعأن تتذكر قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [العنكبوت: 60].
علاج حالات اليأس وفقدان الأمل
هنالك مشاكل يعتقدالكثير من الناس أنها غير قابلة للحل، وأهمها المشاكل الاقتصاديةوالمادية، وهذه المشاكل يعاني منها معظم الناس وتسبب الكثير من الإحباطوالتوتر والخوف من المستقبل. ولو سألنا أكبر علماء النفس والبرمجة اللغويةالعصبية عن أفضل علاج لهذه المشكلة نجدهم يُجمعون على شيء واحد وهو الأمل!
إن فقدان الأمل يسببالكثير من الأمراض أهمها الإحباط، بالإضافة إلى أن فقدان الأمل سيعطل أينجاح محتمل أمامك. فكم من إنسان فشل عدة مرات ثم كانت هذه التجارب الفاشلةسبباً في تجربة ناجحة عوّضته عما سبق، لأنه لم يفقد الأمل من حل المشكلة.
وكم من إنسان عانى منالفقر طويلاً ولكنه بقي يعتقد بأن هذه المشكلة قابلة للحل، فتحقق الحلبالفعل وأصبح من الأغنياء بسبب أساسي وهو الأمل.
إن ما يتحدث عنهالعلماء اليوم من ضرورة التمسك بالأمل وعدم اليأس هو ما حدثنا القرآن عنهبل وأمرنا به، والعجيب أن القرآن جعل من اليأس كفراً!! وذلك ليبعدنا عن أييأس أو فقدان للأمل، ولذلك يقول سبحانه وتعالى: (وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87].
القرآن ثلاثة أرباع الشفاء!!
لقد لفت انتباهي أمر عجيب في كتاب الله تعالى عندما كنتُ أتأمل آيات الشفاء، لأجد أن كلمة (شفاء) قد تكررت في القرآن أربع مرات، وهذه هي الآيات:
1- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [يونس:57]. والحديث هنا عن القرآن.
2- (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 69]. والحديث هنا عن العسل.
3- (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) [الإسراء: 82]. والحديث هنا عن القرآن.
4- (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) [فصلت: 44]. والحديث هنا عن القرآن.
لقد لاحظتُ أخي القارئأن ثلاث آيات تتحدث عن الشفاء بالقرآن، وآية واحدة تتحدث عن الشفاءبالعسل، وربما نستوحي من ذلك أن القرآن يمثل ثلاثة أرباع الشفاء، واللهتعالى أعلم. وأتذكر قولاً لابن القيم رحمه الله: من لم يشفه القرآن فلاشفاهُ الله!!
الطريقة العلمية لعلاج الفشل
ربما يكون من أكثر الكتبمبيعاً على مستوى العالم اليوم ما يدور حول البرمجة اللغوية العصبية، ولوطالعنا هذه الكتب أو بعضاً منها نلاحظ أن علماء هذه البرمجة يقترحون طريقةعملية لعلاج الخلل في النفس البشرية، مثل الفشل والاكتئاب والمشاعرالسلبية وغير ذلك.
إن الطريقة الناجحةوالأكثر استخداماً من قبل المعالجين والمحاضرين هي أن يجلس الشخص الذييعاني من مشاعر سلبية ويضع ورقة وقلماً ويفكر بعدد من المشاعر السلبيةالموجودة فيه، أو التي يحس بها، ثم يكتب عدة مشاعر إيجابية يطمح إلىتحقيقها ويظن بأنها تحقق له النجاح.
الآن يبدأ بالتفكير بمادوَّنه من مشاعر سلبية وما تسببه له فيما لو استمر تفكيره على هذه الحال،يبدأ بتخيل المواقف الصعبة التي سيمرّ بها فيما لو ظل الحال على ما هوعليه من انفعالات سلبية وتصرفات قد تسيء له. يتصور نظرة المجتمع له وهويحمل هذه الاعتقادات والأحاسيس السلبية، يحاول أن يتخيل ردود أفعالالمجتمع المحيط به على ما يحمله من أفكار سلبية منفّرة.
بعد ذلك ينتقل إلى المشاعرالإيجابية والأفكار التي يحلم أن يحملها والصفات التي يود أن يتحلى بها،يفكر بنتائجها الإيجابية، يفكر بما ستقدمه له من استقرار نفسي وجسدي،ويتصور الحالة التي سيكون عليها فيما لو تحلى بهذه الصفات الإيجابية.
يحاول أن يتخيل حجمالفوائد التي سيجنيها من المشاعر الإيجابية وكيف ستتغير نظرة من حولهإليه، يتخيل مدى محبة الآخرين له وكيف سيكسب احترامهم وتقديرهم وثقتهم به.
وفي هذه الحالة سوف تتفاعلهذه الأفكار وتنفذ إلى العقل الباطن ويبدأ التغيير باتجاه الأفضل، فالنفسالبشرية بطبيعتها تميل إلى حب النجاح وحب الاستقرار وحب الأمل.
لماذا يختار المعالجون هذا الأسلوب؟
هذا سؤال لا بدّ منه،فعلماء البرمجة اللغوية العصبية يفضلون هذا الأسلوب لعدة أسباب أهمهاالنتائج العجيبة التي يقدمها، فقد ساهم هذا الأسلوب في علاج آلاف البشروتحسين أدائهم وساهم أيضاً في تحويلهم من أناس سلبيين لا يقدمون أي فائدةلأنفسهم أو لمجتمعهم، حوّلهم إلى أناس إيجابيين امتلئوا بالأمل والمحبة،وأصبحوا يحققون نجاحات مبهرة في حياتهم.
لقد درس علماء البرمجةالكثير من الأناس الناجحين مادياً، فوجدوا أنهم يتبعون هذا الأسلوب فيحياتهم، فتجدهم يتخيلون النجاح الذي سيحققونه وما ينتج عنه من فوائد،ويتخيلون بنفس الوقت الفشل وما ينتج عنه من عواقب، فتجدهم يبذلون جهداًمضاعفاً لإبعاد أي فشل عنهم ولكسب النجاح باستمرار.
إن علماء النفس وجدوا أنالإنسان يستجيب لأسلوب الثواب والعقاب. وأن طاقة الإنسان الكامنة كي تتحررلا بدّ من أهداف تضعها أمامها وتعمل على تحقيقها.
وباختصار فإن هذه الطريقةتعتمد على تصور النواحي السلبية والنواحي الإيجابية في نفس الوقت، وتركالنفس لتختار الناحية الإيجابية وتتفاعل معها. ولكن ماذا عن كتاب اللهتعالى؟
هل تحدث القرآن عن هذا الأسلوب؟
إن الذي يتأمل كتاب اللهتعالى يلاحظ أنه استخدم هذه الطريقة في علاج الفشل لدى البشر، وعلاجالمشاعر السلبية وتحويلها إلى مشاعر إيجابية. وهذا نجده في كل القرآن وليسفي آية محددة. وسوف نستعرض مثالاً من كتاب الله تعالى ونرى التفوق الكبيرللقرآن على العلم الحديث.
لقد قدّم لنا القرآنتصورات كثيرة إيجابية وسلبية وعرضها أمامنا وكأننا نراها، ثم عرض لناالنتائج التي تسببها ثم ترك لنا حرية الاختيار. حتى إننا لا نكاد نجد آيةتتحدث عن الجنة إلا ومعها آية تتحدث عن النار، ولا نكاد نجد آية تتحدث عنالعمل الصالح ومحاسنه، إلا وتليها آية تتحدث عن العمل السيئ وعواقبهوسلبياته.
كيف عالج القرآن الفشل واليأس؟
ماذا يمكن لإنسان فقدالأمل من كل شيء أن يفعل؟ كيف يمكن له أن ينجح في الدنيا والآخرة؟ يناديالله تعالى هؤلاء اليائسين الذين أسرفوا على أنفسهم وارتكبوا المعاصي،يناديهم نداء مفعماً بالرحمة، يقول تعالى: (قُلْيَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوامِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْوَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَاتُنْصَرُونَ) [الزمر: 53-54].
في هذا النداء يأمر اللههؤلاء اليائسين بألا يفقدوا الأمل من رحمة الله تعالى، ويخبرهم بأن الذنوبوالفشل والمعاصي وكل أنواع الإسراف التي ارتكبوها فإن الله تعالى يمحوهابلمح البصر بشرط أن يرجع الإنسان وينيب إلى الله تعالى بقلب سليم!
ثم يحذرهم من عذاب سيأتيهمإن لم يفعلوا ذلك ويرجعوا إلى الله ويتوبوا إليه. إذن تأمل معي كيف جاءتالآية الأولى بخبر إيجابي والآية الثانية جاءت بخبر سلبي، فالآية الأولىتتحدث عن مغفرة الله ورحمته، وعدم اليأس: (لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِاللَّهِ). أما الآية الثانية فتحذر من عواقب عدم الرجوع إلى الله وأنالعذاب سيأتي: (وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُالْعَذَابُ).
ثم تأتي الآيات التاليةلتصور لنا نتائج الأعمال السلبية إذا بقينا عليها، وتأمرنا بتغييرهافوراً، يقول تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْلَا تَشْعُرُونَ) [الزمر: 55]. وتأمل معي أخي الحبيب الأمر الإيجابي(وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) ويليهمباشرة النتيجة السلبية المؤلمة لمن لا ينفذ الأمر الإلهي (مِنْ قَبْلِأَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ).
ثم تأتي مرحلة التصورلنتائج الفعل السلبي من خلال آيات مرعبة، تصور لنا هذه الآيات احتمالاتمتعددة لنتائج سلبية مؤكدة الحدوث فيما لو لم نستجب للتغيير الإيجابي الذييأمرنا القرآن به، يقول تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىمَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ *أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ *أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَمِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَبِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَالْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْمُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر:56-60].
وتتضمن هذه الآيات الخمس تصورات لما يمكن حدوثه:
(أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا): نتيجة سلبية تتضمن الحسرة والندم. بتغييرها فوراً، يقول تعالى: () تعالى بقلب سليم!
صي وكل أنواع الن الذين أسرفوا على
(أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي): نتيجة سلبية تتضمن أحلاماً لن تتحقق.
(أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ): نتيجة سلبية تتضمن تمنّي الرجوع إلى الماضي ولكن هيهات أن يحدث ذلك.
ولكن ماذا يحدث لو استجبناللبرمجة القرآنية وطبقنا ما أمرنا الله تعالى به، انظر إلى الآية التاليةالتي تصور لنا النتائج الإيجابية العظيمة في ذلك اليوم: (وَيُنَجِّياللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُوَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الزمر: 61]. وتتضمن هذه الآية ثلاثة نجاحاتمتتالية:
1- النجاة من عذاب الله يوم القيامة: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ).
2- لن يكون هنالك أي أمر سيء في المستقبل: (لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ).
3- لن يكون هنالك أي حزن على ما مضى: (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
إنه نصّ واحد يحوي كل هذهالعجائب، فكيف بنا لو أردنا أن نستخرج من القرآن جميع الآيات التي تسيروفق هذا النظام الإلهي المحكم؟ إننا لن نحصي كل الآيات لأن القرآن مليءبالعجائب والأسرار!
وملخص القول
يطمح العلماء اليوم وفيمحاولات منهم لإزالة المشاعر السلبية أن يجعلوا الشخص الذي يعاني من هذهالمشاعر يتصور احتمالات النتائج السلبية التي سيمر بها فيما لو ظل الحالعلى ما هو عليه، وأن يتصور في نفس الوقت النتائج الإيجابية العظيمة التيسيجنيها فيما لو غير هذه المشاعر باتجاه الأفضل، وهذه الطريقة قد أعطتنتائج عظيمة في علاج المشاعر السلبية والتغيير نحو الأفضل.
إن القرآن العظيم استخدمهذه الطريقة قبل أن يكتشفها العلماء بأربعة عشر قرناً، فنجد في كل نص مننصوصه تصويراً دقيقاً للمشاعر السلبية وما قد تسببه في المستقبل، وبنفسالوقت يصور لنا بدقة النواحي الإيجابية ونتائجها وفوائدها في الدنياوالآخرة.
وتأمل معي هذا التصويرالرائع الذي يضعه القرآن أمامنا، وكيف يبين لنا النتيجة السلبية والنتيجةالإيجابية ويقارن بينهما ثم يترك لنا حرية الاختيار: (أَفَمَنْ يُلْقَىفِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[فصلت: 40]. هذا سؤال ينبغي علينا أن نحضر الإجابة عنه منذ هذه اللحظة لكيينجينا الله من عذاب أليم. نسأل الله تعالى أن يجعل حياتنا كلها إيجابيةوأن يعيننا على تطبيق ما جاء في كتابه إنه على كل شيء قدير.
اللهم اجعل القرآن شفاء لنا في الدنيا والآخرة