| | |||||||
![]() | ![]() | ![]() |
![]() | ![]() |

| | LinkBack | أدوات الموضوع | طريقة عرض الموضوع |
|
#1
| ||||
| ||||
| بغتة انتبه الي صوت تحطم زجاج، نهض فزعا من نومه.جلس علي فراشه ينظر بعينين ناعستين حواليه. انتبه الي أن ثمة ضوء ينسل من المطبخ فيضيء جزءا من صالة الجلوس. نهض متثاقلا من فراشه متوجها نحو المطبخ. وجد أمه واقفة قرب الثلاجة، تنظر الي قارورة المربي التي تحطمت. نظرت إليه كما ينظر طفل مذنب الي من هو أكبر منه لحظة اقترافه خطأ، سمعها وهي تقول بصوت هامس: ــ لقد تحطمت القارورة! أحس بانكسار داخلي في أعماقه، فهو لم يسمع أمه تتحدث معه بهذه النبرة قط. سارع الي جمع القارورة المحطمة،ومسح بسرعة آثار المربي المندلقة. ثم خرجا معا من المطبخ. توجه هو الي غرفته،لكنه رأي أمه مسمرة في مكانها،تنظر بحيرة حواليها وكأنها تريد البحث عن شيء ما. ــ لماذا لا تدخلين غرفتك يا أمي العزيزة للنوم؟ لا يزال هناك وقت طويل للصباح. نظرت إليه بعيون متبلدة، تخيم عليها الحيرة: ــ وأين هي غرفتي؟ لا أستطيع الاهتداء إليها. أطلق قهقهة طويلة وهو يضع يده علي كتفها برفق. ــ هل هذه نكتة الليلة؟ أخيرا قادها الي غرفتها، وانتظرها وهي تتمدد علي سريرها. ــ ليلة سعيدة يا أمي. كانت تلك الليلة الأولي التي بدأت فيها ذاكرة أمه بالخفوت والانطفاء. كانت أمه تبدو بملابسها القديمة وهي بين صديقاتها المتبرجات كئيبة وحزينة، رغم الضحكات التي تطلقها من أجل نكتة تافهة من قبل إحداهن. كان يسمعهن يتحدثن لساعات طويلة عن نوع العطور الذي يستعملهن ومميزات كل عطر. كانت تكتفي بالصمت، وكان يدرك سبب صمتها.فهو لم يرها تستعمل العطور الباريسية التي يتحدثن عنها. لأنها لم تكن تعرف غير العطور المحلية الرخيصة كالتي تباع علي عربات في الأسواق الشعبية. رغم صمتها كان يبدو عليها انها تعاني، وأنها تود أن يكون لها خزين من الحديث السخيف الدائر حول العطور. سنوات لم يرها في فستان جديد، ليس بسبب بخلها بل بسبب تواضع راتب والده، ورغبتها كأم في أن يتمتع أولادها بأكبر قسط من الراحة. كانت تبدو داخل تلك الملابس وكأنها لا تنتمي الي هذا الزمان..بل الي عقود خارج هذا الزمن.. بعد تلك الليلة تغير فيها كل شيء. بدأت مساحات الذهول والتفكير التي تعتريها بين فترة وأخري تزداد وتتسع. ظل يفكر في تلك الليلة التي لم تهتدي فيها الي سريرها، فما حدث تلك الليلة تؤكد انها تعاني من مرض مجهول جثم علي صدرها وروحها وذاكرتها فجأة.. بدأ لا يشعر بالرثاء علي أمه فقط بل يحس بالخجل من بعض تصرفاتها وخاصة منذ ذلك النهار الذي استوقفه فيه بائع الخضار علي استحياء، قائلا له، ان أمه اشترت منه يوم أمس كيلو من الباذنجان والطماطم وحزمة من السلق وكيلو من القرع، وذهبت دون أن تدفع الثمن. دفع للبائع ماطلبه معتذرا أن أمه لربما نسيت سهوا دفع ثمن ما اشترته. حينما دخل البيت وجد أمه في المطبخ وهي تعد العدة لإعداد أكلة (الدولمة). لم يرها منذ مدة منطلقة كما كانت عليه في ذلك النهار. تغني أغان لم يسمع بها من قبل. ــ أعد (الدولمة) لأن أخاك جبار سيأتي من الجبهة. اعتراه رعب شديد وإحساس غريب بالخوف.الي أي هاوية تنحدر أمه البائسة التي بدأ الزمان والمكان يخدع ذاكرتها المهددة بالانطفاء يوما بعد يوم ؟..لقد مر علي مصرع أخيه في جبهة (المحمرة) أكثر من عشرين عاما! داعبها قائلا: ــ يا أمي العزيزة،جبار استشهد في الحرب منذ سنوات طويلة. بل أنه حتي صدام (أبو الحروب) قد ولي الي غير رجعة. نظرت إليه بحدة.كانت تلك من اللحظات النادرة. فهي لم تؤنبه طوال حياتها. ــ ما هذه الدعابة السخيفة يا هشام؟ أقول لك سيأتي جبار.. ولن يمد أحد يده الي (الدولمة) قبل وصوله. في يوم صادفها علي الرصيف المقابل للبيت وهي بملابس النوم، شعثاء الشعر، حافية القدمين لا تلوي علي شيء. وحينما هرع ممسكا بها. قالت له مبتسمة: ــ أنا ذاهبة الي أختك وصال لأطمئن عليها. هل تأتي معي؟ بعد الزمان والمكان فقدت النقود أهميتها بالنسبة لها.كانت تذهب الي بائع الحلويات وتشتري منه ثم تنطلق من المحل دون أن تدفع شيئا، أو تدفع أضعاف ثمن ما تشتريه للبائعين الجوالين.. وكان هو يسد الرتق التي تفتحها أمه في حياته الهادئة المنسابة مثل نهر لم يعتد علي الجموح. رويدا رويدا بدأ الجميع ينفضون من حولها. صديقاتها من نسوة الجيران، وجزء كبير من أقاربها بعد أن أحس الجميع أنها فقدت الإحساس بالزمان والمكان، وأن ذاكرتها تنطفيء يوما بعد يوم لكنها ظلت وفية لصديقاتها.كانت تقوم بزيارتهن. والغريب أنها كانت تهتدي الي بيوتهن. في يوم قالت له متأففة بعد عودتها من زيارة لأحدي صديقاتها: ــ ذهبت عند سعاد ولم تفتح لي الباب. رغم انها كانت موجودة لقد سمعت صوتها وهي تقول لأطفالها، لقد عادت المجنونة ثانية..اسكتوا يا ملاعين حتي تذهب من أمام الباب.. وهي تكركر من الضحك. أحس بالإشفاق عليها، طار طائر الحزن في أعماق روحه وصفق بجناحيه. قبلها من عيونها المبتلتين بالدموع: ــ امي أرجوك لا تخرجي من دوني.. أرجوك يا أمي. واختطلت دموعه بدموعها التي بدأت تأخذ طريقها نحو وجنتيها. في يوم حضرت جارتهم المعلمة لبيبة مع زوجها الي زيارتهم في يوم عيد. كانت أمه تجلس أمامها بملابسها البيتية.وكالعادة كان يدور حديث فارغ وتافه. قال والده للبيبة بعد أن لاحظ أنها لا ترتشف الشاي: ــ اشربي الشاي قبل أن يبرد. نظرت لبيبة الي قدح الشاي بتقزز وقالت: ــ مستحيل أن أشرب من هذا القدح! سألها باستغراب عن السبب.قالــت: ــ انظر! كانت عليه آثار أحمر الشفاه مما يدل علي أنه لم يغسل جيدا. لن ينسي نظرة أبيه التي قدحت شررا من الغضب والحقد والسخط علي أمه..وكأنها يقول (حتي قدح الشاي أصبحت عاجزة عن غسله!). صرخ والده بوجهها بلهجة آمرة: ــ هيا اذهبي وغيري القدح! هل كان يحبها؟ لم يسمعه يوما يتودد إليها أو يقول لها كلمة طيبة.كانت ملامحه الصارمة مرآة عاكسة لأعماقه. وكأنه لا يريد أن ينسي حتي في بيته بأنه مدير ذاتية في دائرة الطابو، حتي عندما كان يراها تستمع الي أغنية في الراديو أو تدندن أغنية ما لعفيفة اسكندر،كان يعلق بغلظة: ــ ما هذا؟ لا تنسي بأنك أم لثلاثة أولاد ولست بفتاة مراهقة؟ بدأ الزمن يتضاءل تدريجيا في ذاكرتها، فالماضي أصبح ينتمي الي الحاضر،والحاضر ارتدي لبوس الماضي، ولم يعد للمستقبل أي بصمة في حياتها.وكان أكثر ما يعذبه هو رؤيته لها وهي تذوب تدريجيا، وتفقد علاقاتها مع الواقع.كان يري كل ذلك بلا حول ولا قوة. كانت تزداد بدانة بينما شعورها يضعف ويتلاشي. وكانت حينما تخرج في غفلة منه في أوقات نادرة من المنزل،كانت تدخل محلات الحلوي،والمكتبات فتضع أمام البائع كل ما تملك من أوراق نقدية ثم تنطلق غير ملوية علي شيء.وكان من النادر أن يستدعيها البائع ليعيد لها الباقي. سقطت النقود من حساباتها،وبدأت تنظر إليه كأوراق ملونة.حتي حاجياتها الصغيرة مثل السوار الذي كانت تحتفظ به في معصمها الأيسر منذ أيام الزواج فوجيء بها وقد منحته لإحدي قريباتها التي كانت علي حافة القبر من فرط شيخوختها. وحينما روت له الحكاية،نظرت إليه تلك النظرة التي ذكرته بنظرتها في تلك الليلة المشؤومة التي أسقطت فيه من يدها قارورة المربي،والتي سقط بعدها الزمان والمكان من حياتها كأوراق في شجرة هرمة. ــ لم تزعل مني أليس كذلك؟ نطقته كما ينطقها طفل ارتبك حماقة ما، وهو ينتظر التقريع واللوم من والده.أحس بموجة متدفقة من الحنان يلامس كنهر لا قرار له أعماقه. احتضنها بحب صادق وهو يهمس لها والدمعة الرقراقة في عينيه علي وشك الانفلات من عينيه: ــ لا.. لا يا أمي العزيزة،لم أزعل،لم أزعل أبدا! وهو يصاحبها الي بيت خالته، مرا من الزقاق الذي كان يسكنون فيه قبل عقود.لاحظ باستغراب أنها توقفت وبدأت تتأمل البيوت في طرفي الزقاق،ثم ما لبث أن قالت: ــ أليس هذا هو زقاقنا القديم..؟ وزاد استغرابه حينما رأها تشير الي بيتهم القديم. استغرب كثيرا من تذكرها هذا الزقاق بالذات،وهي التي أصبحت تخلط الساعات والأيام والبشر والزمن. هز رأسه بإيماءة إيجاب،وظلت عيناها تتأملان البيوت. تري أي سر دفع بذاكرتها المنطفئة الي أن تتقد وتتذكر هذا المكان القديم؟ هل لأن ذكرياتها في هذا الزقاق المنسي أكبر من النسيان؟هل عاشت في صباها فيه سويعات انطبعت في ذاكرتها وروحها؟ هل عاشت فيه حبها الأول؟ برق هذا الاحتمال في ذهنه.حبها الأول تري هل عاشت هذه المرأة التي تتلاشي إنسانيا يوما بعد يوم قصة حب في شبابها.قصة فيها كل تفاصيل قصص الحب من لوعة وشوق وعواطف جياشة؟.. بدا لها الأمر معقولا.فمن المستحيل أن تكون قد عاشت مع ابيه قصة حب. فهو لم يرهما يتهامسان ولم ير والده يرمقها بنظرات قيها نصيب وافر من الحنو والحب حتي الي آخر يوم من حياته قبل عشر سنوات...لم يمنع نفسه من التساؤل،كيف استطاع أبوه أن ينجبه وينجب شقيقه وأخته منها؟ لقد كان يعاملها دائما انها أوطأ منزلة منه، رغم ان المسكينة لم تكن تدخر جهدا لإسعاده وإسعاد أطفالها بالتقتير علي نفسها في كل شيء دائما في المأكل والملبس والبقاء في البيت. كانت تري نفسها ان مهمتها الأساسية في الحياة هي إسعادهم.أما هي وعواطفها فقد أصبحت تؤمن بسبب الجفاء المستمر من أبيه علي أنه شيء هامشي ولا يحق لها أن تعطيه درجة من اهتمامها. لربما بدأت الآن تعوض ذلك بهروبها من البيت الي الشارع كلما سنحت لها الفرصة تعويضا عن حرمان تلك السنوات للانطلاق إلي الشارع لتزور من يخطر في بالها من صديقاتها أو قريباتها حتي لو كن من الدرجة العاشرة. وجدها في مرة من المرات وقد أخلت رفوف المكتبة من الكتب والمجلات، وهي في بحث مضن بين صفحاتها.تأملها لبعض الوقت ليتحقق عن ما تريد البحث عنه، ثم ما لبث أن وجدها ترفع رأسها إليه وتسأله باهتمام: ــ منذ الصباح وأنا أبحث عن مجلة (أهل النفط)..! ما الذي ذكرها بهذه المجلة التي كانت تصدر في العهد الملكي،وكان خاله الذي ظل مقيما عندهم حتي زواجه يحمل في بداية كل شهر،عددا من تلك المجلة. كان هو صبيا صغيرا آنذاك، إلا انه رغم ذلك كان مغرما بقراءة بعض القصص والأخبار المثيرة. لم يرد ان يذكرها أن المجلة توقفت عن النشر بعد إعلان الجمهورية بل سايرها قائلا: ــ عن ماذا تبحثين في هذه المجلة؟ ــ عن صور الملك فيصل الثاني! تذكر كيف أنها كانت معتادة علي قص صور الملك من المجلة والاحتفاظ بها في صندوق خشبي صغير،حرصت أن تعود الي محتوياته بين فترة وأخري حتي عهد قريب. ألفاها تنشج بحرقة: ــ لعنهم الله..كيف طاوعتهم قلوبهم علي قتل الملك الشاب! فجأة انساب قطار متعب في ذاكرته،انطلق من قيظ بغداد بعد أيام من اغتيال الملك، كان هو فيه مع أمه وشقيقه وأخته عائدين من بغداد من بيت خالته بعد أن عاشوا في بغداد أيام عصيبة شهدت مقتل الملك وسحل الجثث صباح 14 تموز (يوليو). في ذلك القطار المزدحم، انطلق عدد من الركاب نحو بائع يحمل صورا: ــ صورة الزعيم بدرهم..صورة الزعيم الذي قتل الملك بدرهم! ألفي نفسه ينطلق نحو البائع،وعندما رأي الجميع يشترون صور الزعيم الذي سمعوا به ولم يروه رغم اليوم الثالث من الانقلاب،اخرج قطعة من فئة الخمسين فلسا من جيبه أعطته له خالته قبل أن يتحرك القطار. اخذ الصورة فرحا،وكأنه يحمل كنزا ثمينا إلي أمه: ــ ماما. هذا هو الزعيم! شدت الصورة من يده بقوة،تأملت الصورة بعض الوقت، كانت ملامحها تزداد قسوة خلالها: ــ كيف طاوعك قلبك علي قتل الملك أيها الشرير! ألقت بالصورة من نافذة القطار، رأها تتطاير بعض الوقت في الهواء ثم تتهادي يمنة ويسرة، لتسقط وسط أكوام من الأشواك البرية في منطقة قاحلة جرداء. توالت الأيام والشهور والسنوات.ظل يتحمل بصبر كبوات أمه المسكينة، التي أصبحت بمرور الزمن كائنا لا ينتمي إلي زمن معين. لم يضق بها.ظل يقبل وجنتيها كلما وجد دموعها تنهمل دون سبب. لم يتوان أن يقول في كل كبوة من كبواتها لكل من حوله، عند سؤالهم له عن المرأة التي دخلت ذاكرتها في خصام أبدي مع الزمن: إنها أمي
_________________ تحياتي: **الـــــــــــــــــــــــ ورده ـــــــــــــــروح** |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | |
| طريقة عرض الموضوع | |
| |
-الدورات
التدريبية بجامعة نجران-