مع هطول زخات المطر.. وسكون ذلك الليل بردائه الأسود.. وعواء أصوات الذئاب.. ونباح الكلاب.. تنفست ذكرى الصعداء عندما سمعت والدها ينادي.. - ذكرى.. اين ذهبت؟ اين اختفيت؟ وذكرى مختبئة وراء شجرة.. فعاود الأب النداء. - عودي يا ابنتي سألبي لك طلباتك. عندها ظهرت ذكرى وعلى وجهها نظرة أمل.. فامتزجت فيها الدموع مع الفرحة.. ولكن لم تدم تلك اللحظات الجميلة حتى جاءت زوجة ابيها.. وأمسكت بيدي ذكرى.. وصرخت في وجهها.. - اين تهربين مني.. ألم اقل لك اغسلي الملابس، ورتبي البيت، ثم جهزي طعام العشاء، ام كل هذه الأوامر دخلت من هذه الاذن وخرجت من الأخرى.. اتظنيني مثل والدك المسكين احنو عليك، واجفف دموعك، ولكن كلا.. لابد ان اعاقبك عقاباً قاسياً، لأنك فتاة تعيش عالم الرومانسية وتنسين ان مصيرك هو خدمة هذا البيت. - آه.. قالها الأب بكل حسرة والم وكآبه و الذي يعاقب بدلاً من ذكرى. - أرجوك يا زوجتي اتركيها وسوف البي لك طلباتك.. وافعل ما تشائين. لكن زوجة الأب لم تصغى لتوسلات ذلك الأب المسكين الذي لا يستطيع ان يدافع عن حقوقه فكيف بحقوق ابنته التي تجرعت من كأس الظلم وذاقت مرارة الألم.. وهي تعمل ليل نهار دون كلل اوضجر.. وفي ذات يوم استيقظت زوجة الأب كعادتها كل يوم.. ولكن هذه المرة اندهشت عندما رأت البيت غير مرتب.. فصرخت بصوت عال. - ذكرى.. ذكرى.. وهي تمشي بخطوات واسعة، وتصعد السلم بسرعة متناهية.. الى ان وصلت إلى حجرة ذكرى، وجدتها مستلقية على فراشها.. عندها انفجر بركان الغضب بداخلها، واشتعل النار بقلبها.. وأمسكت بيدي ذكرى بشدة حتى سقطت من على سريرها دون حراك.. وهنا تخيل لزوجة الأب القاسية ان ذكرى تقوم بالتمثيل عليها لتوهمها انها لا تستطيع القيام بعملها فامسكت بيدي الفتاة بشدة.. وقالت لها؟ - لا تستطيعين خداعي.. استيقظي أيتها الفتاة فلا مجال للنوم..! ولكن ذكرى دون حراك.. أصبحت زوجة الأب في حيرة من أمرها بان شيئاً قد حدث لذكرى.. اتصلت بزوجها لتخبره عن ابنته.. وبعد لحظات عاد الأب من عمله مسرعاً ليرى فلذة كبده وما أصابها، ومعه الطبيب.. وعندما نظر لذكرى وفحصها بدت ملامح الحزن على وجهه.. فماذا يقول؟ وماذا يجيب تساؤلات الأب عن ابنته. - اخبرني يا دكتور ما الذي أصاب ابنتي؟ عندها صمم الطبيب ان يكشف للأب الحقيقة. - الحقيقة يا.. - ماذا اخبرني..؟ - البقاء لله.. لقد ماتت ذكرى نتيجة صدمة بالمخ. انهار الأب المسكين، وتوقفت الكلمات في حنجرته.. واصبح مذهولاً مندهشاً بما اصابه.. فقد فلذة كبده.. ونور عينيه.. وبصيص الأمل فقد اعز إنسان لديه.. وبلسم جروحه ومعاناته.. فقد رحلت ابنته ورحلت معها الذكرى الجميلة التي كانت مغموسة بالألم من زوجة الأب المسكين.. وبعدها بثوان رحل الأب مع ابنته فلم يستطع ان يعيش بدون ابنته التي كانت له كالغذاء الذي يتناوله.. وكالهواء الذي يتنفسه.. وكالماء الذي يشربه.. كانت له كل شيء.. رحل الأب.. ورحلت ذكرى.. واندفن الامل..!