مقتطفات من كتاب الإيمان والحياة للشيخ العلامة
الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي
والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا" (حديث شريف رواه مسلم).
الحب معنى أخص من الرضا، وأعمق أثراً، فقد يرضى الإنسان بالشيء أو يرضى عن الشخص، ولا يفضي ذلك إلى حبه وتعلق القلب به. فإن ذلك شأن الحب لا شأن الرضا.
الحب هو روح الوجود، وإكسير القلوب، وصمام الأمان لبني الإنسان.
إذا كان قانون الجاذبية يمسك الأرض والكواكب والأفلاك أن تصطدم فتتساقط أو تحترق وتزول، فقانون الحب هو الذي يمسك العلاقات الإنسانية أن تتصادم فتحترق، وتستحيل إلى دماء.
هذا هو الحب الذي عرف الناس قيمته في القديم والحديث. وقالوا: لو ساد الحب ما احتاج الناس إلى العدل ولا إلى القانون.
وقديماً قال صوفي شاعر كبير (هو الصوفي الكبير جلال الدين الرومي، وهذه الفقرات من شعره الصوفي الوجداني، وقد نقل هذه الفقرات السيد أبو الحسن الندوي في كتابه «رجال الفكر والدعوة في الإسلام» ص 288وما بعدها):
"إن الحب يحول المر حلواً، والتراب تبراً، والكدر صفاءً، والألم شفاءً، والسجن روضة، والسقم نعمة، والقهر رحمة، وهو الذي يلين الحديد، ويذيب الحجر، ويبعث الميت، وينفخ فيه الحياة ...".
"إن هذا الحب هو الجناح الذي يطير به الإنسان المادي الثقيل في الأجواء، ويصل من السمك إلى السماك، ومن الثرى إلى الثريا ... ".
"بارك الله لعبيد المادة وعباد الجسم في ملكهم وأموالهم!! لا ننازعهم في شيء. أما نحن فأسارى دولة الحب التي لا تزول ولا تحول .. !".
"حياك الله أيها الحب المضني! يا طبيب علتي وسقمي! يا دواء تخوفي وكبري! يا طبيبي النطاسي! يا مداوي الآسي!.
وحديثاً كتب صحفي أديب يعني بالجوانب النفسية (هو الأستاذ محمد زكي عبد القادر في إحدى يومياته بجريدة «الأخبار» القاهرية) يقول:
"ولمحت عن بعد أضواء تلمع وسط البحر كالنجم الهادي، وتمنيت لو كان لي في المستقبل مثل هذا النجم .. ومن منا لا يتمنى أن يكون له في مستقبله نجم هاد؟ .. نجم هاد فيما بقي من أيام .. ماذا يكون؟
الحكمة .. وماذا تعطينا غير المنطق الجاف؟
الحذر ... وماذا يعطينا غير الخوف الدائم!
العمل ... وماذا يعطينا غير العرق المتصبب والحقد المتأجج؟
المال … وماذا يعطينا غير الخوف والحذر والعرق والعقد؟
الحب … إنه الجوهر الوحيد الذي يعطينا الأمان والاستقرار والسلام.
نحب كل شيء … كل إنسان … نحب حتى الكارثة كما نحب النعمة … الأولى لتوقظ القوة على المقاومة فتتوهج النفس كأنها تتحفز ... والثانية نسيم يلطف حر المعركة، نحب الوجود كله بدايته ونهايته، الموت فيه والحياة!
هل يستطيع أحد أن يحب هذا الحب؟ لو فعل لكان ملاكاً … ".
ونحن نجيب على هذا السؤال فنقول: إن الذي يستطيع أن يحب هذا الحب الكبير صنف واحد من بني الإنسان، إنه الصنف الذي خالطت قلبه بشاشة الإيمان.
الإيمان وحده هو ينبوع الحب المصفى الخالد، والمؤمن وحده هو الذي يستطيع أن يحب كل شيء حتى الكارثة، يحب الوجود كله بدايته ونهايته، الموت فيه والحياة (وقد أشاع المبشرون والمستشرقون أن المسيحية وحدها دين المحبة ولا مجال فيها لبغض أو عنف، وأن الإسلام دين الجهاد والسيف. ولا مجال فيه لتسامح أو حب. وهذا جهل مركب. أو تضليل مفضوح، ففي نصوص المسيحية نجد المسيح يقول في الإنجيل "ما جئت لألقي على الأرض سلاماً، بل سيفاً، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة (زوجة الابن) ضد حماتها، وأعداء الإنسانية أهل بنيه" (متى: 34 - 36).
وفي تاريخ المسيحية في العصور الوسطى نجدها أكثر الديانات شناً للحروب وإراقة للدماء، وإحداثاً للمجازر البشرية الرهيبة. ليس بينها وبين مخالفيها فحسب بل بين طوائفها بعضها وبعض.
والمسيح عليه السلام بريء من هذه المذابح الوحشية، والمسئول عنها إنما هي الكنيسة التي حرفت كلمات الله عن مواضعها، وأدخلت الوثنية في دين المسيح وأعطت نفسها حق التحليل والتحريم. والتشريع في الدين بما لم يأذن به الله. وبيع صكوك الغفران وأرض الجنة بالدرهم والدينار. إن خرافات الكنيسة ومصالحها وأهواء رجالها الذين ساندوا الظلم والاستغلال والفساد هي المسئولة عن هذه الحروب والدماء.
ومهما يكن الأمر فإن الإسلام المظلوم هو أعظم العقائد دعوة إلى الحب، وتوكيداً لمعانيه. وتفجيراً لينابيعه. وأقواها حرباً للعداوة والبغضاء والحسد والحقد وتضييقاً لمسالكها. وإغلاقاً للنوافذ التي تهب منها رياحها السموم.
ولقد قال أحد وجهاء النصارى المنصفين في طرابلس الشام للسيد رشيد رضا رحمه الله: إن في الإسلام فضائل كالجبال أو أشمخ وأرسخ ولكنكم دفنتموها. حتى لا تكاد تعرف أو ترى، ونحن عندنا شيء قليل ضئيل، ككلمة "حب الله والقريب" فما زلنا نمطه ونمده، ونقول: "الفضائل المسيحية" حتى ملأ الدنيا كلها؟
وهي شهادة من مسيحي معتدل لا تحتاج إلى تعليق)