رعب الفلسفة
تعتبر الفلسفة في نظر البعض مصدر إزعاج وتضييع وقت فإذا اختلف أو تخاصم اثنان قال أحدهما للآخر: لا تتفلسف؟ كما أنها مصدر تهديد للعقيدة عند آخرين، والبعض يصاب بالدوار مع تعاطي عقار الفلسفة؛ فهي تسحب من تحت أقدامه المسلمات واليقينيات الكبرى. مع هذا فهي عند آخرين مصدر متعة بدون حدود، لأنها تأخذه إلى عوالم سحرية، لا تكف عن إدخال الجديد والمفيد إلى العقل، ومن نهض بالعقل في التاريخ هم بضع مئات من أدمغة الفلاسفة. وحسب برتراند راسل الفيلسوف البريطاني في كتابه النظرة العلمية فإن عصر النهضة كله يعود إلى مائة دماغ ولو تم اغتيالهم أو القضاء عليهم لما كان هناك نهضة وناهضون. مع هذا فالفلسفة رحم العلوم. وهي تشبه من جهة جذع وفروع شجرة ثمارها العلوم. ولا يتقدم العلم بدون أرضية راسخة من حرية الفكر. لأن الفلسفة فتح للعقل على كل أنواع الأسئلة المزعجة والمحرجة بدون حدود وخوف. ولم يكن للحضارة الإسلامية أن تنهض لولا اتصالها بالفكر اليوناني، كما قررّ ذلك عبد الرحمن البدوي في سيرته الذاتية. ولن ننهض اليوم إذا لم نتصل بالفكر الفلسفي العالمي وهي مسافة خمسة قرون. والفكر الفلسفي يجب أخذه مفصولا عن التاريخ الاستعماري وفتوحات بوش المحارب، فالفلاسفة والمفكرون لا وطن لهم وهم إنسانيون. ونحن مثل من كان جده ملياردير وهو مفلس فلا ينفك عن الحديث عن ثروة جده العظيمة، وهي حجة لن ننهض بها، كما أنها مخدرة لنا عن واقعنا المزري. فهذا تفكير خطير وضار يجب التخلص منه والتخلي عنه لفكر مفيد يبني. وربما كان الفليبيون أفضل من العرب لعدم وجود تاريخ زاهي عندهم فهم يعتمدون على سواعدهم لبناء ْأنفسهم. ويعتبر نيتشه ضوء باهر في الفلسفة ومن الذين بحثوا عن الحقيقة بأي كلفة. فاعتبر أن من أراد أن يرتاح فليعتقد ولكن من أراد أن يكون من حواريي الحقيقة فليسأل. وسقراط الذي يعتبر فلتة عقلية في التاريخ وحكمته بالإعدام ديموقراطية أثينا يرى أن الفلسفة لا تجيب عن الأسئلة بقدر فتح الباب مع الإجابة على كل سؤال بإضافة سؤالين جديدين مما يشكل زاوية منفرجة للمعرفة لا تكف عن الاتساع. ومنه فإن الغربيين يعطون لقب فيلسوف لمن يحصِّل (الدكتوراة) في العلوم ولكن لا ينتبه أحد لهذا اللقب (PhD) وأن (ph) تعني فيلسوف (philosof). ومع أن ماركس أعلن موت الفلسفة في كتابه (بؤس الفلسفة) إلا أنها حية جذعة لا تكف عن مد أغصانها في كل حقل معرفي. ورأى برتراند راسل أن الفرق بين (لدين) و(الفلسفة) و(العلم) هي أن (الفلسفة) منطقة لا اسم لها تتأرجح بين التيولوجيا والعلم ومعرضة للهجوم من الجانبين. والدين يعطي إجابات نهائية قاطعة عن قضايا غامضة وغير قاطعة وغيبية مثل ما بعد الموت. أما العلم فهو يهتم بعمليات الكيف،ف كيف تتشكل السحب وبناء الذرة والكود الوراثي في نواة الخلية؟. والعلم يقول أن ملوحة البحر هي بسبب كلور الصوديوم فيه، ولكن الفلسفة تقوم بتعليل ذلك، ولا تكف عن التفسير، وتقفز من تفسير لآخر، وتتحرك من تعليل لآخر، فتهب حركة دائمة للعقل، ونمو معرفي بآليتي الحذف والإضافة . ويقولون في تعريف الفيلسوف أنه ذلك النهم للمعرفة، ولا يكف عن القراءة، ولو في وسط حشد من الناس، أو سائرا في الطريق، أو ينتظر دوره في مؤسسة وبنك فالكتاب دوماً صديقه، لا يفارقه في حله وترحاله، ويقظته ونومه، فترى الكتب مكدسة حوله دوما، وبجانب فراش نومه، وتراه غارقا في سحر الكلمات والأرقام يقرأ قياما وقعودا ولو مترنحا في باص وحافلة ومترو، أو وهو ينتظر دوره في البنك، فمن رأيته على هذه الشاكلة من النهم المعرفي فاعرف أنه وطأ بقدمه محراب الفلسفة. ويقولون أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين؟
خالص جلبي