خرج الحجاج يوماً إلى ظاهرالكوفة منفردا، فرأى رجلاً أعرابياً فقال له: ما تقول في أميركم؟ قال: الحجاج؟ قال: نعم. قال الأعرابي: عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين! فقال الحجاج: أتعرفني؟ قال: لا. قال: أنا الحجاج. فقال الأعرابي: وأنت،أتعرفني؟ قال: لا. قال: أنا مولى بني عامر، أُجَنُّ في كل شهر ثلاثة أيام،وهذا اليوم هو أَشَدُّها! فضحك الحجاج من قوله وتركه.
من كتاب "سرح العيون" لابن نُباتة.
الكلـب والثعلـب
كان سفيان الثوري يقول: ما رأيتُ الزهد في شيء أقلَّ منه في الرئاسة، ترى الرجلَ يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإن نوزع الرئاسة تمسّك بها وعادى الناس. حدّث عطاء بن مسلم قال: لما تولّى المهدي الخلافة بعث إلى سفيان الثوري. فلما دخل عليه، خلع المهدي خاتمه فرمى به إليه وقال: يا أبا عبد الله! هذا خاتمي، فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسُّنة. فردّسفيان الخاتم وقال: تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: لاتبعث إليّ حتى آتيك، ولا تعطني حتى أسألك. فغضب المهديّ غضبا شديدا وصرفه. فلماخرج سفيان حفَّ به أصحابه فقالوا: ما منعك وقد أمرك أن تعمل في الأمة بالكتاب والسُّنة؟ قال: إني لا أخاف إهانة الأمراء لي، وإنما أخاف إكرامهم لي حتى لاأرى سيئاتهم سيئات. ولم أَرَ للعلماء والسلاطين مثلاً إلا مثلاً ضُرِب على لسان الثعلب، قال: عرفتُ نيفا وسبعين حيلة للتخلص من الكلب، ليس منها حيلة أفضل من أن لاأرى الكلب ولا يراني!