إن كان هناك حب من النظرة الأولى، فذلك يعني أنني أحببت إلى الآن ٧٠ أو ٨٠ مرة.. أنظر إلى فتاة إعجاباً فتنظر هي امتناناً، أبتسم فتبتسم هي معلنة التحدي. دائماً تكون هذه الفتاة "فل أوبشن" يعني كاملة الأوصاف، جمالها يقول للقمر حان وقت تقاعدك، فقد أتى الموظف الجديد.. أعود إلى البيت وأنا أترنح من ثمالة الحب، لا أستطيع النوم فصورتها عالقة وسط جفنيّ فلا أستطيع أن أقفلهما.. في اليوم التالي أستيقظ متعباً من كثرة الحب وقلة النوم.. تبقى ابتساماتها ونظراتها، التي لا أعلم إن كانت منحتهما لي وحدي أو لكل من نظر إليها وابتسم، تطاردني لعدة أيام.. بعد أسبوع لا أذكر إن كنت شاهدتها في الحقيقة أو في خيالي المترامي الأطراف.. بعد عشرة أيام لا أتذكر حتى وجهها وأين رأيته.
ترى لو كنا تعارفنا، هل كانت بذور الإعجاب هذه ستنمو وتكبر وتطرح ثماراً من الحب، أم أن الديدان ستأكلها فيأتي المزارع ويرش المبيدات ليقضي عليها. الشمس جميلة ونحن مستلقون بجانب البحر وأشعتها تغازل أجسادنا، لأنها بعيدة، وكذلك الفتاة، والاحتمال الأكبر هو ألّا تعجبني طباعها وتصرفاتها وذكاؤها عندما نقترب من بعض أكثر. وهناك احتمال أن أحبها أكثر، لكن هل إذا أعجبني جمالها ومن ثم أعجبتني طباعها، فذلك يعني أنني أصبحت متيماً بها ولا أستطيع العيش من دونها.
لا أعتقد ذلك، فالحب يأتي مع العشرة، بالطبع ليس المقصود بالعشرة هنا أن تجلس في مكتب واحد مع زميلة في العمل لمدة عشر سنوات. أو تراودك فتوى "إرضاع الكبير"
لا أعلم أين قرأت أو سمعت أو حلمت بأن هناك دائماً جداراً بين الرجل والمرأة، والجدار وهمي، مثل خطوط الطول والعرض للكرة الأرضية، لا يمكن رؤيته، لكن كلا الطرفين لا يستطيعان أن يريا بعضهما بعضاً بوضوح إلا إذا تم دك هذا الجدار العنصري، عندها فقط ومن فوق الأطلال الوهمية ستكون الرؤية واضحة وسيظهر الهلال لدى الطرفين.
قد يقول أحدهم إن أعظم قصص الحب في التاريخ لم يتعاشر أطرافها بل ولم يروا بعضهم بعضاً إلّا نادراً، مثلاً قيس وليلى؛ قيس أحب ابنة عمه لأنه عربي وعند العرب البنت لابن عمها، وربما لأنها كانت أجمل فتيات القبيلة، ولو كانت هناك أي فتاة أخرى أجمل منها و"انطست" في عينها وأرسلت النظرات لهذا المجنون لجن جنونه كما حدث عندما تزوجت ليلى.
ترى لو كان قيس وليلى تزوجا هل كانت قصتهما ستخلد لتصل إلينا، أم أنها ستدفن في قبر التاريخ الذي لم يفتح، وذلك بعد أن تقتله لأن "عينه زايغة" أو يتطلقا لأنها ملت منه فهو لا يفعل شيئاً سوى نظم القصائد لها، ولأنه لم يعد يتحمل غباءها فهي لا تقدر قصائده ولا تفهمها، وربما لو أنها مرضت في يوم ما لأنشد يقول: يقولون ليلى في الفراش مريضة
يا ليتها تموت بسرعة ونرتاح
يقال إن من لم يحب لم يعش، صحيح.. لكن في الوقت ذاته يقولون ما يأتي بسرعة يذهب بسرعة، وما يطبخ على نار هادئة يكون أجمل وأحلى وأبقى.