فيكتور هوجو
بيان الكتب: ماكس جالو هو كاتب وروائي ورجل سياسة سابق حيث كان لفترة من الزمن ناطقا باسم الحكومة الفرنسية خلال الفترة الأولى من حكم الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران. سبق له وقدم عشرات الكتب من بينها سيرة حياة نابليون بونابرت. هكذا يبدو ماكس جالو أحد الكتاب اليساريين الذين اهتموا بسيرة حياة من يمكن تصنيفهم في خانة «اليمين»..
ريجيس دوبريه هو مثال آخر، اذ انه، وهو رفيق تشي جيفارا السابق، كتب مؤخرا سيرة الجنرال شارل ديجول.
هذا الكتاب الجديد لماكس جالو يخص سيرة حياة أحد أكبر أدباء فرنسا بل وأدباء العالم، فكتور هوجو.. وتتكون هذه السيرة من جزئين يحمل كل منهما عنوان «فكتور هوجو»، مع اضافة جملة لهوجو نفسه على كل منهما. تقول الأولى: «أنا قوة تمضي الى الامام» أما غلاف الجزء الثاني فقد حمل عبارة «سوف أكون هذا الرجل».
السمة الأولى التي يؤكد عليها ماكس جالو في شخصية فكتور هوجو تتمثل في قدرته على الادهاش، ادهاش الآخرين.. وكان قد أدهشهم «كثيرا» ذات مرة، عندما ساد الاعتقاد، كما أكد النقاد آنذاك ففاجأ الجميع برواية «البؤساء» أحد أكبر روائع الأدب العالمي. كذلك أدهش هوجو الجميع ايضا عندما اقترع عام 1848، حيث كان مرشحا على قائمة يمينية كما كان من الداعمين المتحمسين للويس بونابرت، على قرار يحرم آلاف العمال من المرتبات التي كانوا يتقاضونها عبر ما كان يسمى آنذاك بـ «الورش الوطنية».
لجأ العمال آنذاك للسلاح ونزلوا الى الشوارع حيث أقاموا الحواجز مما أدى الى قمعهم بالنار من قبل رجال الشرطة. يقول هوجو عن هذا الحادث: «ان كل هذا الدم الذي يجري من الجانبين انما هو دم شجاع». لكنه نزل في الوقت نفسه الى الشارع لدعم الشرطة أمام الحواجز التي أقاموها في شارع «سان لويس» بل انه تقدمهم وصاح بهم: «علينا ان ننهي الامر يا أبنائي.. الى الامام.. الى الامام».. ثم قاد الهجوم الذي ازال الحواجز.
لا شك بأن هذا أمر مدهش من مؤلف «البؤساء» الذي تمحور حول البعد الانساني للص «جان فالجان» في مساعدته للفقراء، وخاصة للطفلة «كوزيت» التي لا تزال حتى اليوم أحد أشهر «اطفال» فرنسا.
كان يمارس «تحضير الأرواح». وبشكل عام يقدم ماكس جالو صورة لفكتور هوجو تخالف الى حد كبير عن صورة «الجد الوقور» التي يتم تقديمها لطلبة المدارس وللرأي العام بصفة عامة. وخاصة يؤكد على انه كان مولعا باستمرار بالفتيات وبأن مثل هذه الرغبة قد لازمته حتى نهاية حياته. يقول في أحد جمله: «أنا أحب وأنا عجوز مجنون».
لكن هناك وجها آخر لفكتور هوجو.. انه ذلك الشاعر الكبير الذي ملأ عصره بالاشتراك مع هونوريه دوبلزاك والكسندر دوما، أو ما يسمى بـ «ثالوث العمالقة» الذي وجد معاصروهم أنفسهم بهم انهم أبناء عصر لم تكن فيه اسطوانات تسجيل أو آلات تصوير.. ولذلك كانوا بمثابة الصوت الناطق باسم الجميع. وكان «هوجو» نفسه قد بشر بعهد قادم. يقول في احد اشعاره ما مفاده: «لقد نضبت المعزوفة القديمة حيث يتحدد الشباب، وخاصة السنابل يتقدم بمنجله خطوة خطوة نحو ما تبقى من القمح».
فكتور هوجو من مواليد عام 1802. وفي سن العشرين نشر مجموعته الشعرية الأولى وتزوج صديقة طفولته «اويل فوشيه». وفي عام 1927 نشر «كرومويل» حيث بدا كأحد طلائع التيار الرومانسي الفرنسي، وخاصة في مقدمة الكتاب. ثم تتالت أعماله المسرحية والروائية والشعرية وكان في أشهر مسرحياته الأولى «هيرناني» التي أثارت في حينها جدلا أدبيا كبيرا. وفي عام 1841 أصبح فكتور هوجو أحد اعضاء الاكاديمية الفرنسية بعد ان كان قد فشل في ذلك خلال ثلاث محاولات سابقة. اصبح هوجو نائبا عام 1848 لكنه هاجم عام 1851 الامبراطور بشدة مما اضطره للهرب الى بلجيكا كي يعلن في عام 1859 بأنه قد أصبح جمهوريا ورفض العفو الامبراطوري الذي أصدره نابليون الثالث حياله كما نشر عمله المعروف «اساطير القرون». وبعدها مباشرة، أي عام 1862 صدرت رواية «البؤساء». ثم العودة الى فرنسا من المنفى عام 1870. وفي عام 1885 توفي فكتور هوجو كي يودعه الفرنسيون بجنازة وطنية ويوارى جسده في مقبرة العظماء «بانتيون».
ومن السمات الأساسية التي يتم التركيز عليها ايضا في هذا الكتاب تعلق فكتور هوجو بالحرية بكل أشكالها. ولم يتردد من مقاضاة الدولة ممثلة بـ «مسارح فرنسا» عندما تم منع استمرار عرض مسرحية «الملك ينسكي» بعد اليوم الاول من عرضها في مسرح «الكوميدي فرانسيز». وقد ركز كل دفاعه حول حق حرية التعبير. لقد استؤنف عرض المسرحية التي كانت تدور حول نابليون بونابرت وجاء في احد مقاطعها «كان بونابرت يميل نحو الاستبداد عندما كان قنصلا وعندما كان ملكا. لقد توجه نحوه مواجهة وبقدم ثابتة. ثم انه لم ينتزع حقوقنا الواحد بعد الآخر بسبب الاعياء، كما يحدث الآن.. لكن نابليون أخذ كل شيء ودفعة واحدة وبيد واحدة. إن الأسد لا يمتلك عادات الثعلب». وجاء في خاتمة المسرحية: «لم يكن هناك في هذا القرن سوى رجل واحد عظيم هو نابليون ولم يكن هناك سوى امر واحد عظيم هو الحرية. اننا لم نعد نتملك الرجل العظيم، فلنحاول اذن ان نحصل على الامر العظيم».
ثم ان هذا الكتاب زاخر بالحكايات الصغيرة و«المثيرة» في سيرة حياة فكتور هوجو مثل تلك التي جرت عام 1825 عندما التقى رجلان في مدينة «بلوا» الفرنسية. كان احدهما هو الشاب الوسيم والشاعر الشهيد «فكتور هوجو». اما الآخر فقد كان الجنرال «ليوبولد هوجو» والد «فكتور». لقد كانا يعرفان بعضهما بالكاد اذ عندما انفصل والد الشاعر عن امه كان عمره تسعة اشهر فقط. كان سبب اللقاء هو حصول فكتور على «إذن» والده بالزواج من «اديل فوشيه» التي احبها منذ الطفولة لكنه لم يكن بالغا حسب السن القانونية آنذاك. أثناء اللقاء كان الاب يتحدث والابن يستمع. لكن هذا اللقاء لم يذهب بعيدا.
بالمقابل هناك شخصية اخرى كان لها اثرا كبيرا في حياة فكتور هوجو، هي «جولييت درويت»، المرأة الممثلة الشابة التي التقى بها عام 1833 واستمرت علاقتهما حتى النهاية حيث توفيت هي قبله بعامين أي عام 1883 ـ تجدر الاشارة هنا الى انه قد صدر مؤخرا بطبعة جديدة عن مراسلات فكتور هوجو وجولييت درويت ـ وكان هوجو في سن الـ 71 قد تعلق بممثلة شابة اخرى هي «بلانش لانفان» ذات الثلاثة وعشرين ربيعا مما أثار غيرة جنونية لدى جولييت درويت ـ 67 سنة آنذاك، مما دفعها للهرب بعيدا عنه.. فكتب يومها في مذكراته: «لقد ذهبت روحي» ثم أضاف: «أريد لو اكون ميتا. ان قلبي اسود تماما فهي لم تعد هنا.. ولم يعد هناك اي شعاع من الضوء.. ثلاثة أيام لم أعرف بها طعم النوم لما لم أتذوق سوى القليل من الطعام والشراب ... فماذا سيكون المصير؟». بعد اسبوع فقط كان ينتظرها في محطة القطار الذي استقلته للعودة من بروكسيل حيث كانت قد ذهبت. وكتب هوجو: «لقد انتهى ذلك الاسبوع الرهيب». وأضاف معلقا: «كانت تمتلك في درجها ما قيمته 120 ألف فرنك من الاسهم التي تعود لحاملها لكنها لم تأخذ منها شيئا بل استدانت مئتي فرنكا من خياطتها». هكذا كانت جولييت. لقد حاول هوجو ان يطمئنها وأقسم لها بكل شيء وحتى بـ «رأس ابنه» بأنه سوف لن يرى أبدا «غريمتها» بعد ذلك. ولكن بعد يومين فقط كان عند «بلانش لانفان». هكذا كان هوجو.
«ماكس جالو» يقدم في هذه السيرة لفكتور هوجو صورة متكاملة للأديب الفرنسي الاكثر اشعاعا في القرن التاسع عشر حيث تجاوز حضوره وشهرته كثيرا اوروبيين آخرين كان يحتلان الواجهة وهما «شاتوبريان» و«لامارتين»، لا سيما بعد النجاح الهائل الذي حققته رواية البؤساء الصادرة عام 1862 والتي أعقبت نشرها موجة بتسمية المواليد من الاناث بـ «كوزيت» تيمنا بـ «طفلة» الرواية. لكن هذه الشهرة الكبيرة لم تمنع مؤلف البؤساء من القول: «عندما أضمن الأمان بالنسبة للذين أحبهم لا يهمني الباقي إذ تكفيني غرفة صغيرة وسرير متواضع وكرسي من القش وطاولة وأدوات الكتابة». كان مثل هذا الموقف قائما ايضا على مفهوم خاص للسعادة عند هوجو يقول: «من داخل النفس ينبغي رؤية الخارج». وأيضا: «عند الافراط في السعادة ربما انه يكون قد تم أخذ شيء ما من احدهم». كان مبدعا وكمثل «الشعراء الذين يحبون الحياة» كان له تناقضاته وأسراره.. وكان اسمه «فكتور هوجو»