المرأة ليست قارة
يقولون إن المرأة كالقارات.. فالمرأة ذات العشرين تشبه قارة إفريقيا؛ لم يتم اكتشافها كاملة بعد.. والمرأة في الثلاثينيات من عمرها تشبه شبه القارة الهندية؛ دافئة وجميلة لكنها غامضة.. وفي الأربعين من عمرها تشبه المرأة أمريكا؛ فتكون كاملة بكل المقاييس.. أما ذات الخمسين فتشبه قارة أوروبا؛ تكثر فيها الأطلال وبقايا ما كان.. وأخيرا يقولون أن امرأة الستين مثلها مثل شبه قارة سيبيريا؛ الكل يعرفون أين هي، ولا يريد أحد أن يذهب إليها..
ومما يثير العجب أن كثيرين من صناع مسلسلات هذا العام قد اشتركوا في صياغة صورة المرأة التي تشبه أوروبا وسيبيريا.. وكأنما يؤكدون وجهة نظر مشتركة هدفها واحد، هو أن المرأة القوية الناجحة التي تصل إلي سن قارة أوروبا أو سيبيريا لابد أن يتركها زوجها ويبحث عن إفريقيا أو الهند.
ويسرا أكبر مثل علي هذا.. الدكتورة شريفة الناجحة، الشخصية القديرة، والزوجة المحبة، والأم الفاضلة، والسيدة الرحوم، والجميلة الأنيقة وصلت إلي الخمسينيات، مثلا إذا اعتبرنا ابنتها التي في الجامعة، ليتركها زوجها من أجل سيدة في الثلاثينيات تقريبا.. لماذا؟ لم يقدم المسلسل تفسيرا واحدا مقبولا.. ولا تختلف عنها النجمة (فادية عبد الغني) في مسلسل تاجر السعادة.. وهي شخصية عامة ناجحة متألقة محترمة واعية ولكن زوجها المنتج يتركها ليطارد ابنة العشرين.. ولا تقدم الدراما تفسيرا مقبولا أيضا..
أما (أفراح إبليس) الذي تدور أحداثه في صعيد مصر حيث الالتزام الأخلاقي المفترض، تهتز صورة (همام) القوي الذي يبطش بالرجال ويرتعب منه أبناؤه أمام الفتاة الصغيرة اللعوب (دهب) وهي أيضا في العشرينيات أو أقل بالرغم من أن له زوجة قوية الشخصية سياسية التعامل معه ومع كل أفراد الأسرة، وحكيمة، وذكية، تقوم بدورها باقتدار عبلة كامل.. ولا يوجد مبرر يصرف نظر العمدة عن زوجته التي ظهرت محبته لها وتقديره لكيانها وشخصيتها منذ بداية الدراما..
ولا يوجد ما يبرر تصرفات هؤلاء الرجال إلا انعدام أخلاقهم.. مما يسيء إلي صورة الرجل أيضا وهو تشويه غير مقبول.. المشكلة أنه في كل الحالات التي يتجه فيها الرجل إلي امرأة أصغر سنا، تتشوه صورته هو أيضا لأنه يظهر كإنسان ضعيف لا يستطيع أن يجاري زوجته القوية فيذهب للبحث عن شخصية أصغر سنا لعلها تكون أضعف عقلا وذكاء فتظهر قوته.
أما إذا افترضنا أن كتّاب المسلسلات - وهم من الرجال - لم يقصدوا تشوية صورة الرجل، لا يبقي إلا الأخذ بنظرية أن المرأة كالقارة ويصير من الطبيعي أن ينصرف الرجل عن زوجته عندما تصبح أوروبا أو سيبيريا.. ويكون من المنصف أن يتجه نحو إفريقيا أو الهند.. وهي صورة مهينة للمرأة وغير مقبولة إنسانيا ولا منطقيا علي الإطلاق.. إذ إن الرجل لا يختلف كثيرا عن المرأة في مسألة كبر السن، بل يتساوي كلاهما في أنهما يكبران ويشيخان.. ويبقي القول إما (الرجال والنساء كالقارات) أو (لا الرجال ولا النساء كالقارات).