| | |||||||
![]() | ![]() | |
![]() | ![]() | |
![]() | ![]() | ![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | طريقة عرض الموضوع |
|
#1
| ||||
| ||||
| كانت ثلة من الرجال يجلسون في رصيف مقهى (الانكل سام) في يوم صيفي قائظ، من اوائل ستينيات القرن الماضي، ولما كنت اعرف احدهم (الاستاذ انسي الحاج) فقد جلست معهم. وهكذا اتيح لي ان اتعرف على مبدعين اصبحوا فيما بعد اعلاماً من اعلام الثقافة والادب في كل الوطن العربي. كانوا: ادونيس، ومحمد الماغوط، وحليم بركات، وياسين رفاعية. كانت تلك بداية صداقة العمر مع ياسين التي امتدت، وامتدت، وستمتد حتى نهاية الحياة. كنت في تلك الأيام، اداوم على الجلوس في مكتبة الجامعة الاميركية في بيروت، حيث كنت اكتب قصصي واشعاري، التي كنت انشرها في مجلتي (الاديب) و(الآداب). وكنت وقتذاك ايضاً اعمل محرراً ثقافياً في مجلة (الأحد) التي كان يدير تحريرها الاستاذ طلال سلمان. اتيح لي بعد ذلك، ان اتعرف على الدكتور حليم بركات، حيث كنا نلتقي في حديقة الجامعة. هو يريد ان يقنعني بعقيدته القومية السورية، وانا بعقيدتي القومية العربية، لم يستطع احدنا ان يقنع الآخر. كل ما قررناه انه لكي نحقق احلامنا الكبيرة، فلا بد لنا من الرحيل. وهكذا كان. فقد غادرت بعد قليل، الى فيينا - النمسا، وغادر هو الى الولايات المتحدة الاميركية، حيث اصبح من بعد استاذاً في جامعة (جورج تاون) يدرس علم الاجتماع. اما انا فقد درست الإقتصاد، وعدت الى لبنان بعد اثني عشر عاماً. لكي تنفجر الحرب الاهلية، بعد سنتين ونصف من رجوعي. ذهبت الى دمشق، وجلست مع ياسين، في مقهى (هافانا) وتعرفت من خلاله على أدباء كبار لا زلت اعتز بصداقتهم من امثال الاستاذ محي الدين صبحي، (رحمه الله) ومطاع صفدي، وزكريا تامر وغيرهم كنا عندما لا نلتقي، نتبادل الرسائل، وكنت عندما يطول غيابه ويعود الى بيروت (حيث استقر فيها منذ عام 1968) ابحث عنه في جرائد ومجلات بيروت فأجده. وجدته عندما عدت في مجلة (الحسناء) وفي (النهار) وفي عام 1977 عملنا معاً في (معهد الانماء العربي) ولكنه غادر الى لندن عام 1982 حيث بلغ العنف في بيروت اوجه. وحيث كاد هو ان يصبح ضحية من ضحايا حربنا الاهلية. وعندما عاد من لندن بحثت عنه فوجدته كما كان كاتباً، وشاعراً، ومحباً كبيراً. * * * هل يمكن لنار الحب ان تشتعل وتشتعل لمدة اربعين عاماً دون ان يخمد اوارها? كيف يمكن لحب ان يعيش تلك السنوات الطوال? يقولون عادة انه بعد سنتين او ثلاث بعد الزواج تبرد نيران الحب وتتلاشى. ومع مشاغل الاولاد ومشاكل الحياة، يبتعد الجسدان عن بعضهما، وبعد مرور السنوات يصبح الزوجان اصدقاء، او اخوة وتنتهي معهما ملذات الحب في مخدع الزوجية. ياسين وأمل كسرا هذه القاعدة. ربما لانه هو كاتب متأجج العواطف، وهي شاعرة رقيقة، تمشي في دروب الحياة كنسمة الربيع. تزوجا دون حب، ودون معرفة مسبقة، ربما لانه هو اراد ذلك بعد تجربتين فاشلتين، مع فتاتين من دمشق احبهما، ولكن النصيب (لم يزبط) فآثر الزواج من فتاة عادية، كانت من بعد شاعرة كبيرة. الرواية سرد مباشر، قص لا خيال فيه ولا شعر، انه تقريري، يقول بصدق كيف حدثت القصة، يرويها بتفاصيلها دون ان يتدخل فيها: (هذا ما حدث!). تبدأ الرواية وقد ادخلت (أمل) الى المستشفى في حالة خطيرة جداً وميؤوس منها. كانت (أمل) تشكو من مرض القلب. ولم يعرف الزوجان ذلك، الا بعد ولادة ابنهما البكر (بسام). كانا لا يزالان في دمشق. وهكذا سافرت أمل وحيدة الى لايبزغ في المانيا الشرقية آنذاك بمسعى من الشاعر المقيم هناك، والاستاذ في جامعة لايبزغ عادل فره شولي. العملية لم تكن ناججة. اذ وسع الجراح صمام القلب اكثر من اللازم، وعندما انتقلا الى بيروت ليقيما فيها، عاودتها الآلام وهكذا كان لا بد من اجراء عملية ثانية في القلب وعلى يد الدكتور مايكل دبغي اللبناني الاصل، في مدينة هيوستون. اجريت لها العملية بعد ان فتحت جريدة النهار اكتتاباً لانقاذها. ولكن الشيخ دعيج السلمان الصباح، من الكويت، حسم الموضوع متبرعاً بمئة الف دولار كلفة العملية. عاش الزوجان بعدئذ في سلام دون ان ينغص مرض القلب حياتهما. ثم اجرت أمل عمليتين للقلب في لندن. وبعد عودتهما الى بيروت وفي شهر كانون الثاني 2004 حدثت الفاجعة. كانوا في المستشفى لا يستطيعون اجراء عملية لها باستخدام التخدير الكامل، لان قلبها لا يحتمل ذلك. بل باستعمال التخدير الموضعي. اجروا لها العملية، وتحملت أمل الآلام بشجاعة نادرة. ولكن الوضع عاد الى الانتكاس كلياً بعد عودتها الى البيت. وفي 6 شباط عام 2004 احست بدوخة بسيطة، فارقت على اثرها الحياة. هكذا كانت الوفاة بداية لاعمال جنونية قام بها ياسين، ربما دون وعي منه، ربما، لان الفاجعة كانت كبيرة جداً عليه. ربما لإن احساسه المرهف كان غير مؤهل لتحمل الكوارث، اول تلك الاعمال كان غسله لزوجته قبل تكفينها ودفنها، وهو عمل غريب جداً، يزيد من الآلام، ويتعب الاعصاب ويرهقها. كانت تلك هي البداية. اتذكر في هذا المجال مشهد احتضار أمي وموتها الذي وصفته تفصيلياً في الفصل الثالث من رواية (الصمت والغضب). وقد قررت بعد ذلك، عندما اصابني ارتجاف فظيع، ان لا ازور المرضى في المستشفيات، وان لا احضر أي دفن. وان اكتفي بواجب العزاء فقط. اما تجربة الفقدان فقد واجهتها مراراً وخاصة عندما انقطعت رسائل المرأة التي كنت أحبها والتي كنت انوي الزواج بها، وهي في بلاد بعيدة، هاتفتها، فاذا بامها ترد وتقول (انها لم تعد تستطيع الكتابة) عرفت انها ماتت. فاذا بالهاتف يسقط من يدي وانا اقول (والله فراقك صعب كتير علي يا حبيبتي). وايضاً عندما كنت في الغربة كان ابي يراسلني على الدوام، وعندما توقف، عرفت ان شيئاً خطيراً قد حدث. وعندما عدت اسرعت اطوي الدرج للسؤال عنه فقالت لي أختي (ذهب ويعود بعد نصف ساعة) ولكني عرفت انه ذهب الى غير رجعة فاطرقت بنظري للأرض ثم رفعته الى صورته المعلقة على الحائط، وعيناي تملؤهما الدموع. لم يكتف ياسين بغسيل زوجته وتكفينها، بل كان يداوم على زيارتها في مقبرة الشهداء يومياً. وفي يوم ما علق في المقبرة، عندما اغلقت ابواب المقبرة ولم يستطع الخروج منها. لنقرأ ماذا كتب: (اسدل الليل ظلمته على المقبرة، وكان القمر هلالاً في زاوية السماء. وقف، قرأ الفاتحة، ثم اراد الخروج متعرجاً بين طرقات القبور الضيقة، فوجد باب المقبرة الرئيسي مغلقاً. يا إلهي لقد تأخر الوقت، والابواب تغلق في وقت محدد ما بعد الغروب، اتجه نحو الابواب الاخرى فوجدها كلها مغلقة. قال في نفسه سأقفز فوق السور الى الشارع لكنه انتبه لاول مرة ان السور مرتفع ومن الصعب الصعود عليه والقفز الى الشارع). وكان عليه من ثم ان يقضي الليل كله في المقبرة. (عندما اكتمل القمر في كبد السماء شعت المقبرة بنوره. شعر قبل ان يفتح عينيه بهذا النور الذي غمر المكان ظن انه الفجر. تجرأ وفتح عينيه) يعود ياسين الى معاودة اعمال لم يسمع بها من قبل، نبش قبر زوجته (شعر ان شيئاً اهتز تحت راحته. لا لم يتخيل. ها هي يده ترتجف من كتفه حتى اصابعه. لم يجرؤ ان يرفع راحته عن التراب، كأن شيئاً لاصقاً مزج انامله بالتراب، اغمض عينيه. يا إلهي انها ترد. قلبها هو الذي يخفق تحت راحتي). (في هذه اللحظة الخارجة عن المألوف، في هذا الجنون، في هذا الاختلاط ما بين الحقيقة والوهم، يتذكر تلك النظرة الخاطفة التي بثتها في قلبه وروحه واحاسسيه يتذكر كل المصادفات التي كانت في ذروة تنظيمها ووقعها كأنها مرسومة سلفاً ليلتقيا. ثمة قدرة الهية ترسمنا على الواح اقدارنا). بعد تلك الاعمال التي وصفها صاحبها بالجنون، لم يكن بالغريب ان يصاب ياسين بانهيار عصبي حاد وان يدخل المستشفى. نأتي الى الفصل (15) لنرى ان ضمائر السرد تتداخل تداخلاً عجيباً، في اول الفقرة ص 92 انتقال السرد من ضمير المتكلم الى ضمير الغائب (بلسان الطبيب النفسي) وفي ص 98 انتقال السرد من المتكلم الى الغائب بلسان ابنه بسام. وفي صفحة 103 انتقال السرد الى ابنته لينا. يبقى في المستشفى ومع مرور الايام يعود الى وعيه والى نفسه وتهدأ اعصابه شيئاً فشيئاً. ومن خلال حواره مع الطبيب النفسي، نقرأ ما يلي: (ان النعيم لا يبقى بل عندما يجيء الجحيم لا مفر من الإحتراق، لا مفر من الموت. بالفن ينتصر الانسان على الموت) (لماذا لا يكون الموت سفراً الى كوكب آخر سفراً الى عمق البحر او اعالي الجبال). وتنتهي الرواية هكذا: قال له الطبيب غفوت ثواني لا أكثر.. قم فالعشاء اصبح جاهزاً. واثناء الجلوس الى طاولة الطعام سأله الطبيب: - هل ما زلت متأكدا انك لم تجد زوجتك في قبرها? - قال: نعم يا سيدي تأكدت الآن فعلاً انها لم تكن موجودة في قبرها. لم تكن موجودة في قبرها قط). كتب ياسين من خلال تجربته رواية رائعة. رواية احداث تتلاحق وتحبس الانفاس. مليئة بالاثارة والتشويق Suspense and dramatisation بلغة سلسة مليئة بالتوتر Tension، وهي رواية احداث بعكس رواية (وميض البرق) التي كانت رواية افكار. ياسين رفاعية الآن بخير، بعد ان تجاوز محنته الرهيبة، فحمداً لله على سلامتك يا اخي، ورحمة الله عليك يا أمل. يا من كنت قدوة ومثالاً لكل فتياتنا ونسائنا في طول الوطن العربي وعرضه. |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | |
| طريقة عرض الموضوع | |
| |
| | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| $$$ مسلسل حياتك من عمر 1 حتى 50 سنة | عماد الدين | منتديات عالم الجريمة حوادث كوارث جرائم | 5 | 02-22-2006 10:46 PM |
| والله حرام | دحيمه دق الجمرك | منتديات الفسحة العامة | 5 | 09-21-2005 06:39 PM |
| ايزي..طاح الحطب..وحلوة الحياة | الحواسة | منتديات الفسحة العامة | 5 | 01-30-2003 11:18 PM |
| الحجاب الإسلامي بين المد والجزر | طعس | حواء النسائي الربايع و الستات للبنات نسائي حريمي بنوتات امومه طفوله فقط | 2 | 11-05-2002 11:06 PM |
| فائده للنساء | ام حفص | حواء النسائي الربايع و الستات للبنات نسائي حريمي بنوتات امومه طفوله فقط | 1 | 08-23-2001 05:46 PM |
-الدورات
التدريبية بجامعة نجران-